الجمعة، 6 سبتمبر 2013

دعدور والطابور الخامس

هل تذكرون فيلم شمس الزناتي ؟
بغض النظر عن نظرتنا لبطل الفيلم عادل إمام ؛ إنما أردت فقط أن أستشهد بأحد النماذج الهامشية بهذا الفيلم .. "دعدور" .
ودعدور هذا لمن يتذكر تفاصيل الفيلم هو أحد سكان الواحة التي يقصدها دوماً "المارشال برعي" لكي ينهبها ؛ ويقتل رجالها , مستغلاً طيبة أهلها , وضعفهم , وخوفهم من "برعي" ورجاله المسلحين بأحدث الأسلحة ؛ التي استمدوها من قوات الإحتلال الإنجليزي , والتي تعتمد على "برعي" وأمثاله في إرهاب أهل البلد , كي يظلوا دائماً في حالة رعب من المسلحين , وبالتالي تُصرف أنظارهم عن جهاد المحتل الغاصب .

ما هو الشيء المميز لشخصية "دعدور" كي أسلط عليه الضوء ؟
"دعدور" يظهر في بدايات الفيلم بشخصية هذا المواطن البسيط , كنموذج لأهل الواحة مدقعي الفقر , والذين بالكاد يجدون قوت يومهم , بسبب النهب المستمر للواحة , حتى أنهم لا يجدوا في نهاية المطاف , وبعد نهب كل خيراتهم ؛ سوى ثلاث من الماعز يحلبونها يومياً كي يطعموا صغارهم الجائعة .. هذا بجانب القليل الذي يتحصلون عليه من زراعتهم لبعض الحبوب القليلة التي يقتاتون بها .

بسبب هذه الظروف القاسية لأهل الواحة , يفكر كبيرهم في جلب سلاح ورجال كي يقاتلوا عصابة "برعي" , ليتخلصوا منهم ومن نهبهم المستمر لخير الواحة , ولكن يظهر "دعدور" ورفاقه لكي ينصحوا أهل الواحة بألا يفعلوا هذا , كي لا يجلبوا لأنفسهم غضب "برعي" الذي سيئول بأهل الواحة لسوء المصير .. يظهر "دعدور" ورفاقه في هذا الجزء من الفيلم كأشخاص يخافون على مصلحة الواحة , ولا يريدون الدخول في قتال حتى لا تسوء حالتهم أكثر فأكثر , أي أنهم بمصطلحات هذه الأيام يدعون إلى الإستقرار !
في الربع الأخير من الفيلم نكتشف أن "دعدور" ورفاقه ما هم إلا جواسيس لـ "برعي" ينقلون له أخبار الواحة أولاً بأول , بجانب مهمتهم الأساسية , وهي تثبيط همم أهل الواحة كي لا يحاربوا "برعي" .

فلنطبق حالة هذا الفيلم على واقعنا الحالي : الواحة هي بالطبع بلدنا , المارشال "برعي" وعصابته هم "السيسي" وعصابة الإنقلاب , كبير الواحة ورجاله هم الشعب الثائر ضد الإنقلاب , يبقى "دعدور" ومن معه ...!
كم من مرة نزلت في مظاهرة ضد الإنقلاب , ثم إذا بك تجد صديقاً لك أو زميلاً يقول لك ما فائدة ما تفعلونه ؟ كم من مرة سرت في مسيرة ضد العصابة فإذا بك تجد أحدهم يقول لك ماذا ستستفيد لو قُتلت أو أُصبت ؟؟ ألم تصادف يوماً ذلك الشخص الفزع الذي يصرخ في وجهك بأنك وأمثالك ستحولون مصر إلى سوريا , وأنكم "حرام عليكم .. خربتم البلد" ؟؟؟

تذكر هذا الشخص الذي يثبط من عزيمتك , وتذكر موقفه منذ عامين عندما قامت ثورة يناير , ستجده بالتأكيد نفس الشخص الذي كان يمثل أنه مرتاع وخائف من إفلاس البلد وإنهيار إقتصادها , ستجده نفس الشخص الذي قال لك بعد الخطاب "العاطفي" للمخلوع "انتوا عايزين إيه تاني ؟ ما هو قال مش هيرشح نفسه" .
لم يكن موقف "دعدور" وأبنائه أيام ثورة يناير هو الموقف الوحيد لهم , فهم نفس الأناس الذين ذهبوا لصناديق الإنتخابات كي ينتخبوا هذا المدعو "شفيق" أو "موسى" لا لشيء إلا لأن "اللي نعرفه أحسن من اللي منعرفوش" , وهم أنفسهم من يقولون لك الآن "إيه فايدة اللي بتعملوه ده ؟" .

جمعتني جلسة بشاب ضد الإنقلاب ورجل في سن الخمس وخمسون عاماً , فإذا بالرجل يستهلك نصف ساعة كاملة في محاولة إقناع الشاب بالعدول عما يفعله , الغريب أن الرجل ـ غير المتدين ـ استخدم الدين في إقناع الشاب , حيث حاول إقناعه بأننا في فتنة ؛ وأن الفائز هو من يهتم بأمره الشخصي ويترك حال البلاد والعباد لرب العباد , حاول أن يقنعه بأن يهتم بعمله وبيته ويكتفي بالصلاة في بيته وعبادته بينه وبين ربه .
في نفس الوقت كان الشاب ـ الذي أعرف تدينه ـ يحاول إقناع الرجل بأن الدين الحق لا يشجع على التراخي الذي يدعو إليه الرجل , حيث أننا في منكر , ويجب تغييره .. المهم أن الجلسة انتهت بأن الرجل لم يقتنع ؛ وأن الشاب ـ والحمد لله ـ لم يقتنع هو الآخر .
المفارقة في هذه الرواية أن الرجل ـ والذي أعرفه جيداً منذ سبع سنوات ـ هو عضو سابق فعال بالحزب الوطني الديمقراطي , وله سابقة في الحشد لموقعة الجمل !!!

الخلاصة أن الداعين للاستقرار ما هم إلا طابور خامس .. قصة "دعدور" تتكرر .. الطابور الخامس ينتشر كالجراد في مجتمعنا .. يحاولون إيهامك بخوفهم على مصلحة البلد , يظهرون أمامك بصورة الناصح الأمين الخائف على مستقبلك وأسرتك , ويعتبرون أنفسهم الداعون إلى "الاستقرار" .. ولكنهم في واقع الحال مجرد عملاء لهم مصالح شخصية في إستمرار المنكر الواقع ببلدنا .
أغلبهم عملاء إلا من رحم ربي , حتى هؤلاء الذين هم ليسوا بعملاء لا أبرأهم فهم المرجفون , وأن يكونوا مرجفين لهو عذر أقبح من ذنب .

هل ستترك نفسك للعملاء والمرجفين ؟ هل ستدع ذوي المصالح والأهواء الشخصية يسيطرون عليك ؟؟ بل هل ستستسلم لضعيفي الإيمان والذين يهوون أن يعيشوا حياتهم كالأنعام لا هم لهم إلا المأكل والمشرب ؟؟؟

إذا استسلمت لهم فاعلم أنك إنما أصبحت تابعاً لـ "دعدور" ..
هل تريد أن تكون طابوراً خامساً ؟ .. هل تريد أن تكون دعـــــدوراً ؟!!

الأربعاء، 4 سبتمبر 2013

الخبيث من الطيب

من منا لم يحب محمد صبحي ؟
من منا لم يتابع مسلسله الشهير يوميات ونيس ؟ من منا لم يتأثر بالقيم الإجتماعية , والعادات الأسرية , والأخلاق التربوية ؛ التي عرضها جميعاً في المسلسل ؟ من منا لم يحلم بأن يكون أسرة مترابطة متمسكة بالدين والأخلاق والمبادئ والمثل العليا كتلك التي كونها ونيس ؟أكاد أجزم أن محمد صبحي كفنان ارتبطت أذهاننا جميعاً بصورته كأب مثالي ؛ كما لم ترتبط أذهاننا بأي عمل فني ساقه إلينا من قبل , أي أننا أحببناه لأننا وجدنا فيه صورة مجسمة للأخلاق والقيم التي افتقدناها كثيراً في مجتمعنا .

من منا لم يتعلق بنبيل فاروق ؟
من منا لم يقرأ رواياته بنهم منذ أن كنا صغاراً ولم يتخل عن قراءتها حتى بعد أن كبرنا ؟ من منا يستطيع نسيان البطل أدهم صبري ؟ من منا لم تأسره أخلاق أدهم الذي لا يقتل إلا للضرورة القصوى ؟ من منا لم يعجب برجولة أدهم وهو يرفض ضرب النساء حتى ولو كن صهيونيات ؟ من منا لم تعلو شفتاه البسمة وهو يقرأ فقرة للبطل الذي لا ينسى صلاته حتى وهو منغمس في أصعب المعارك ؟
أظن وبعض الظن خير أننا ما ارتبطنا بروايات نبيل فاروق إلا لكونها تصور لنا البطل المسلم العربي , ذلك البطل الذي كان دافعنا الأول للإعجاب به هو أخلاقه وليست عضلاته , أخلاقه التي تمنينا جميعاً لو تكون فينا حتى نصبح أبطالاً نحن الآخرون .

من منا لم يحترم علي الحجار ؟
من منا ينسى دوره وأغانيه في مسلسل رحلة السيد أبو العلا البشري ؟ من منا ينسى تجسيده لدور هذا الشاب المطرب الذي يتمسك بمبادئه برغم شدة إحتياجه ؟ من منا لم يحترم في هذا المطرب عدم إستغلاله للعري أو الكلمات المسفة في أغانيه ؟
تقديمه لفن نظيف كان هو الدافع دائماً لإحترامه وتقبل أعماله ؛ حتى ولو كانت في بعض الأحيان ضعيفة المستوى , ولكننا إحترمنا فيه إحترامه لنا ؛ فبقى في مخيلتنا هذا المطرب المحترم الذي ـ حتى لو كان ضعيفاً ـ نتقبل أعماله بصدر رحب .

عاش جيلي الذي يربو عمره الآن على الثلاثين عاماً متعلقاً بأشخاص وأفكار أصبحت في عقيدته كالتابوهات ؛ التي لا يجوز الإقتراب منها , حتى كان حادث الإنقلاب الذي أستطيع بضمير مستريح أن أشبهه بحادث الإفك !
نعم ؛ حادث الإفك , ذلك الحادث الذي أراد الله به أن يكشف المنافقين للنبي وأصحابه ويميزهم من بين المسلمين ثابتوا العقيدة , فحادث الإنقلاب كشف لكل ذو قلب سليم من يقف معه ومن خدعه طوال سني عمره .

بالطبع هناك أناس لم نصدم فيهم , فهم طوال عشرتنا بهم لم يكونوا يوماً للحق ناصراً , إنما من قصدتهم هنا ـ وهذا جلي  ـ هم من كنا نظنهم لنا مثل عليا , نتربى على أيديهم ؛ ويشكلون لنا أفكارنا التي منها تنبع شخصيتنا .

ماذا تطلبون مني وأنا أرى محمد صبحي ـ الذي كانت شخصيته ونيس مثلي الأعلى في الأسرة المصرية ـ يطلب من حكومة الإنقلاب أن تفض إعتصام ميدان رابعة الذي كنت أحد مريديه بأي وسيلة كانت , حتى ولو كان العنف ـ الذي استخدم بالفعل فيما بعد ـ هو الحل ؟ ما هو بظنكم إحساسي وأنا أرى من كنت أحترمه يحث على قتلي ؟؟ ماذا يكون شعوري تجاه من كنت أظنه أباً , فإذا به يريد قتلي ؟؟؟

ماذا تطلبون مني وأنا أقرأ لنبيل فاروق ـ الذي تربيت على رواياته ـ مقالات تشع كراهية ويصفني فيها بالإرهابي ؟ لطالما تمنيت أن أكون ولو حتى في ربع بطولة شخصيته أدهم ؛ فإذا به يهبني لقب إرهابي بدلاً من لقب البطل , بل وبكل بساطة ينزع عني مواطنتي لهذا البلد ؛ ويريد أن تسحب جنسيتي لا لشيء إلا أني هتفت ضد من خانني وخان إرادتي .

ماذا تطلبون مني وأنا أجد علي الحجار ينزع مني مصريتي ؛ بل ويكفرني كفراً صريحاً عندما يصفني بأن لي إلهاً أعبده غير الإله الذي يعبده الشرفاء الإنقلابيون ؟!!

لو كان هذا الفنان الذي يريد قتلي من عينة إلهام شاهين أو لطفي لبيب لما تعجبت , أما أن يكون محمد صبحي ...!
لو كان هذا الكاتب الذي يصفني بالإرهابي من عينة خالد صلاح أو مفيد فوزي لما تعجبت , أما أن يكون نبيل فاروق ...!
لو كان هذا المغني الذي يكفرني من عينة مصطفى كامل أو حكيم لما تعجبت , أما أن يكون علي الحجار ...!

هي ـ ولا شك ـ محنة جائت معها المنحة , محنة الإنقلاب جائت معها منحة تمييز المنافقين , جائت المنحة لتزيل الغشاوة التي كانت على عيني والتي جعلتني أرى هؤلاء مثلاً عليا وهم في حقيقتهم مدعون .. نعم هم مدعون ؛ إدعوا الأخلاق والمبادئ ليتكسبوا منها .
إذا كانوا قد وصفوا كل من يتبع تياراً إسلامياً بأنه تاجر دين , فهم بكل بساطة تجار أخلاق ومبادئ , يستخدمونها لترويج سلعهم , ونحن ـ للأسف ـ خدعنا بتجارتهم وظنناهم دعاة الحق والأخلاق والمبادئ .

ربما جاءت المنحة لكي تكشف لنا أيضاً أهل الحق كما كشفت أهل الباطل , فكم من مطرب ؛ وكم من فنان ؛ وكم من كاتب لم نكن نعلمهم أو نعلم عنهم القليل ؛ إذ وجدناهم للحق داعمين وعلى درب الأخلاق والقيم سائرين .
لا أنسى أن أذكر ما وجدناه في تلك الشخصيات العامة ؛ هو ما ينطبق بحذافيره على علاقاتنا الشخصية , فكم من أقارب أو أصدقاء أو زملاء كانوا منا قريبين ؛ وإذ فجأة وجدناهم في جرحنا شامتين ؛ وفي مقتلنا فرحين .

نعم .. هي المنحة .. ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعاً وأولئك هم الخاسرون !